نجاح الطائي
133
السيرة النبوية ( الطائي )
والأخطر في ذلك أنّ قبائل شبه جزيرة العرب قد تعوّدوا على التحلل السياسي والعيش بعيدا عن حكومة مركزية فكيف تمكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جمعهم في دولة قوية وربطهم بسلطة مركزية . فالناس في العراق يختلفون آنذاك عن الناس في الحجاز ونجد فسكان الحجاز ونجد لا يوجد في ذهنهم وذهن آبائهم تبعية لقدرة سياسية والتزام بقوانين أمنية . ورغم ذلك فقد حاول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الاستفادة من تلك التناقضات لكسب الناس إلى الإسلام فنجح نجاحا باهرا . والقضية الثالثة التي أهتم بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد استقباله لوفود العرب واهتمامه بدول العالم تمثل في إرساله السفراء إلى ملوك الأرض لدعوتهم إلى الإسلام وهذه خطوة مهمة وضرورية فعلها الأنبياء من قبل ، إذ أرسل عيسى عليه السّلام حواريه إلى ملوك العالم لدعوتهم إلى النصرانية « 1 » . لقد لاحظ الناس هذه الأمور فأقبلوا على الإسلام : شريعة سمحة وكاملة لا تغافل عن الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأخلاق نبوية فاضلة يعلو بها على سائر البشر ويرقى بها على أهل النظر . وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصداق لتطابق كلامه وعمله فلم يجمع أموال الدنيا ، ولم يتجبر على سائر الناس ، ولم يركب أهواءه ، ولم يظلم أحدا ، وكلّما اطّلع الناس على خفايا أسراره ازدادوا حبا وتعلّقا به . فقد كان يفرش رداءه لأي أعرابي مغمور يقدم عليه المدينة ويجلسه مكانه في أرض المسجد ! وإذا تكلم محدثه لا يقطع عليه كلامه .
--> ( 1 ) الروض الأنف 7 / 464 .